ميرزا حسنعلي مرواريد
235
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
حقيقة مظلمة عاجزة ذاتا ، وأنّ كمالاته التي لا تناسب المادّية إنّما هي بوجدانه لتلك الأنوار ، من غير أن يصير شيء منها داخلا في ذاته ، وأنّه في بقائه وبقاء كمالاته محتاج آنا فآنا إلى قيّومه ، وأنّ ذاته ونفسه المشار إليها بلفظ « أنا » زمانيّة مكانيّة معروضة للعوارض واللواحق الماديّة والجسمانيّة ، كما مرّ سابقا ، وسنذكره في التنبيه الآتي إن شاء اللّه تعالى . فبعرفان الإنسان نفسه بالصفات المذكورة من الفقر والظلمة والحاجة ، وأنّ ما له من النعم إنّما هو بالغير . . . يعرف ربّه بالغنى والقيوميّة وسائر الصفات الكماليّة . وليس رجوعهم إليه تعالى بمعنى فنائهم واندكاكهم فيه ، أو عرفان أنّهم شؤون لذات واحدة وتطوّرات لحقيقة فاردة ، كما مرّ في كلمات المستدلّ . بل لعلّه بمعنى رجوع العبد إلى محضر مولاه راضيا عنه مرضيّا له ، نظير ما حصل للأنبياء ولموسى عليه السّلام ، ولنبيّنا صلّى اللّه عليه وآله في مقام الوحي والمكالمة . فبملاحظة أنّ اللّه تعالى كلّم جميع خلقه برّهم وفاجرهم وردّوا عليه الجواب - كما دلّ عليه قوله تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ، المفسّر في الروايات الكثيرة بما ذكر - يظهر صحّة إطلاق الرجوع إليه تعالى على ما يقع لهم من عرض أعمالهم عليه ومن الخطاب منه تعالى لهم ليريهم ما أعدّ لهم من الثواب ، كما أنّ رجوع الكفار والفساق إليه إنّما هو بمعنى توقيفهم في موقف المحاسبة والعتاب عليهم وإراءة ما أعدّ لهم من جزاء أعمالهم . قال اللّه تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » . وقال تعالى : مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ « 2 » . وقال تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ
--> ( 1 ) - الأنعام 108 . ( 2 ) - يونس 70 .